الافتاء بغير علم كذب على الله. ملخص تفسير ١

وجاء رجل إلى مالك بن أنس أحد الأئمة الأربعة فقال: يا أبا عبد الله جئتك من مسافة بعيدة في مسألة حمّلني إياها أهل بلدي لأسألك وإن من الخير كله من عرفه الله دينه، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف دينه"
نعم وردت رواية في حق العالم أن يقول الله أعلم ، فعن : للعالم إذا سئل عن شئ وهو لا يعلمه أن يقول : الله أعلم ، وليس لغير العالم أن يقول ذلك أيها الناس: إن من أكبر الجنايات أن يقول الشخص عن شيء إنه حلال وهو لا يدري عن حكم الله فيه، أو يقول عن الشيء إنه حرام وهو لا يدري عن حكم الله فيه، أو يقول عن الشيء إنه واجب وهو لا يدري أن الله أوجبه، أو يقول عن الشي إنه غير واجب وهو لا يدري أن الله لم يوجبه

الوحدة الثالثة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فاعلم أن الإفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل، لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وموقع عن الله، قال ابن المنكدر : العالم بين الله تعالى وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم ولذا كان كثير من فضلاء السلف يتوقف عن الفتيا في أشياء كثيرة معروفة، فقد قال عبد الرحمن بن أبي ليلى أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وروى الآجري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من فاته لا أدري أصيبت مقاتله.

14
الافتاء بغير علم كذب على الله
وعنون له الشيخ بقوله: "أليس هذا زمانه؟! قال خلف بن سليمان: "كان الجهم على معبر ترمذ، وكان رجلًا كوفيَّ الأصل فصيح اللسان، لم يكن له علم ولا مجالسة لأهل العلم"
حكم الفتوى بغير علم
وعنون له الشيخ بقوله: "أليس هذا زمانه؟! إن هذه القصة تمثل أنموذجًا من النماذج التي ابتليت بها هذه الأمة، من الذين يتكلمون في دين الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، يقولون ما لا يعلمون، ويهرفون بما لا يعرفون، ولئن كانت هذه القصة حدثت في الأزمنة الغابرة ففي زماننا هذا مئات القصص من مثل هذه القصة، بل عندنا ـ والله ـ ما هو أشد وأنكى من ذلك، وذلك كله عندما يتعلق الأمر بالكلام في دين الله وشرعه
الافتاء بغير علم كذب على الله تعالى
«عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»
من الواجب على كل مسلم أن يعرف من الذي يُستفتى، وليس كل من نصب نفسه لذلك فهو أهل فمن يا ترى ـ بالله عليكم ـ يكون أعلم بمراد الله في الآيات من رسوله ؟! أيها الناس: إن كثيرا من العامة يفتي بعضهم بعضا بما لا يعلمون فتجدهم يقولون: هذا حلال أو حرام أو واجب أو غير واجب وهو لا يدري عن ذلك، أفلا يعلم هذا الرجل أن الله سائله عما قال يوم القيامة
سئل أبو جعفر عليه السلام : ما حق الله على العباد ؟ قال عليه السلام : أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند ما لا يعلمون وسئل الشعبي عن مسألة فقال لا أحسنها فقال له أصحابه: قد استحيينا لك، فقال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالت: لا علم لنا إلا ما علمتنا

النهي عن قبيح الكلام ليس من الإفتاء بغير علم

معاني الكلمات: عند كل مسجد: عند كل عبادة الفواحش: المنكرات ما ظهر منها وما بطن: في السر والعلن الإثم: الذنب قال تعالى: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 28 قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ 29 فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ 30 فوائد وأحكام: 1- من دلائل الجهل الاحتجاج بفعل الآباء وتقليدهم في الباطل.

الفتوى بغير علم طريق الضلالات
وفي الأمّة علماءُ متمكِّنون من دَركِ أحكامِ الوقائع، بصيرون بمسالك النّظر والاستنباط، راسِخون في التخريجِ والترجيح
حكم الفتوى بغير علم
وعنه صلى الله عليه وآله : من أفتي بفتيا بغير ثبت ، فإنّما إثمه على من أفتاه
الافتاء بغير علم كذب على الله
فبهت الرجل فقال: ماذا أقول لأهل بلدي إذا رجعت إليهم قال: تقول لهم: قال مالك: لا أحسن قَالَ الْلَّهُ تَعَالَىْ : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا وَأَنْ تَقُوْلُوْا عَلَىَ الْلَّهِ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ ،وَقَالَ تَعَالَىْ : وَلَا تَقُوْلُوْا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلَالٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوُا عَلَىَ الْلَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِيْنَ يَفْتَرُوْنَ عَلَىَ الْلَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُوْنَ مَتَاعٌ قَلِيْلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ وَقَالَ تَعَالَىْ: وَلَا تَتَّبِعُوٓا خُطُوَٰتِ ٱلَشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِيْنٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلَسُّوءِ وَٱلْفَحْشَاءِ وَأَنَّ تَقُوْلُوا عَلَىَ ٱلِلَّهِ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ وقال تعالى : وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُوْلا و قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: دخل رَجُل عَلَىَ رَبِيْعَةَ بْنِ أَبِيْ عَبْدِ الْرَّحْمَنِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىْ فوَجَدَهُ يَبْكِيَ، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيْكَ؟ فَقَالَ: اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَظَهَرَ فِيْ الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيْمٌ وَقَالَ رحمه الله تعالى : وَلَبَعْضُ مَنْ يُفْتِيَ هَهُنَا أَحَقُّ بِالْسِّجْنِ مِنْ الْسُّرَّاقِ
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ 40 لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ 41 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 42 وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 43 فوائد وأحكام: 1- إن الجزاء من جنس العمل هذه كلها صورة مشرقة عن السّلف تُرينا إلى أي حدٍّ كانوا يَخشَون الفتوى بغير علم، على الرغم من الأمر بتبليغ الدعوة والتحذير من كَتْمِ العلم، أرجو أن تكون نِبراسًا لكلِّ مَن عنده بعض العلم أن يقف عند حدِّه، ولمن عنده رغبة في نشر العلم أن يكون متثبِّتًا مما يقول، وأنّ مَن عَرَف رأيًا اجتهادِيًّا لا ينبغي أن يتعصَّب له

لا تقل كل ما تعلم

وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله يقول: "ليتَّق الله عبدٌ، ولينظر ما يقول وما يتكلَّم به؛ فإنه مسؤول"، وقال بعض السلف: "ليتَّق أحدكم أن يقول: أحلَّ الله كذا وحرَّم كذا، فيقول الله له: كذبتَ لم أحلَّ كذا ولم أحرِّم كذا.

12
الإفتاء بغير علم
لا تقل كل ما تعلم
بارك الله لي ولكم في القرآنِ والسنّة، ونفعني وإيّاكم بما فيهما من البيِّنات والحكمة
الجرأة على الفتيا
تحريم الإفتاء بغير علم محمد بن صالح العثيمين أيها الناس: اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله وحده له الخلق والأمر فلا خالق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله ولا شريعة للخلق سوى شريعة الله، فهو الذي يوجب الشيء ويحرمه وهو الذي يندب إليه ويحلله، ولقد أنكر الله على من يحللون ويحرمون بأهوائهم